المقالات · المنافسة ومكافحة الاحتكار
متى يجب إبلاغ هيئة المنافسة بصفقتك؟
لا يعتمد الخضوع لإخطار الهيئة العامة للمنافسة على رغبة الأطراف، بل على تغيّر السيطرة وتجاوز عتبات المبيعات والارتباط بالسوق السعودي. يوضّح هذا المقال العتبات وطريقة احتسابها ومحتوى الملف ومهلة التقديم.
7 دقائق قراءة · أكتوبر 2026
قبل أن تُوقِّع على صفقة اندماج أو استحواذ أو مشروع مشترك في السوق السعودي، هناك سؤال يسبق الثمن والهيكل: هل تخضع الصفقة للإخطار الإلزامي أمام الهيئة العامة للمنافسة؟ الإجابة لا تعتمد على رغبة الأطراف، بل على معايير موضوعية حدّدها نظام المنافسة ولائحته التنفيذية ودليل الاندماج والاستحواذ الصادر عن الهيئة. والخطأ في هذا التقدير مكلف؛ فالإخطار المتأخر يعطّل الصفقة، وتجاوزه يعرّض الأطراف للمساءلة. هذا المقال موجّه للرؤساء التنفيذيين ومديري الإدارات القانونية والمستثمرين، ويوضّح متى يصبح الإخطار واجبًا، وكيف تُحتسب العتبات، وماذا يتضمن الملف، وما مسار المراجعة. وهو جزء من محتوى مجال المنافسة ومكافحة الاحتكار.
ما المقصود بالتركّز الاقتصادي؟
يقوم التركّز الاقتصادي على فكرة واحدة: انتقال السيطرة بصورة دائمة. فالاندماج بين منشأتين، أو استحواذ منشأة على أخرى كليًا أو جزئيًا، أو تأسيس مشروع مشترك ينشئ كيانًا مستقلًا، كلها صور للتركّز إذا أدّت إلى تغيّر دائم في السيطرة على نشاط اقتصادي. والعبرة بالأثر لا بالتسمية؛ فقد يتحقق التركّز بشراء أصول أو حصص أو بترتيب تعاقدي يمنح تأثيرًا حاسمًا.
والسيطرة في نظام المنافسة مفهوم أوسع من تملّك الأغلبية. فقد تنشأ من حقوق التصويت، أو من صلاحية تعيين أغلبية أعضاء الإدارة، أو من حق النقض على قرارات جوهرية كالميزانية وخطة العمل وتعيين الإدارة التنفيذية، أو من اعتماد مالي أو تجاري يجعل طرفًا قادرًا على توجيه سلوك المنشأة. ولذلك قد ينشأ الخضوع للإخطار في صفقة أقلية إذا منحت المشتري سيطرة فعلية، بينما قد لا ينشأ في صفقة أغلبية صورية لا تغيّر السيطرة القائمة.
ولا يكفي أن يقع التركّز؛ بل يجب أن يكون له ارتباط بالسوق السعودي حتى يدخل في اختصاص الهيئة. وهذا الارتباط قد يتحقق بوجود نشاط للأطراف داخل المملكة، أو بأثر الصفقة على سوق سعودية ولو كان مقرّ الأطراف خارجها. ومن ثم فإن تقدير الخضوع يمرّ بثلاثة أسئلة متتابعة: هل العملية تركّز ينطوي على تغيّر دائم في السيطرة؟ وهل تتجاوز الأطراف عتبات المبيعات؟ وهل للصفقة ارتباط بالسوق السعودي؟ فإن اكتملت الأجوبة الثلاثة، صار الإخطار إلزاميًا قبل الإتمام.
عتبات الإخطار: الأرقام التي تحسم الخضوع
بنى دليل الهيئة للاندماج والاستحواذ معيار الخضوع على قيمة المبيعات السنوية للأطراف، لا على الحصة السوقية. وهذا اختيار مقصود يجعل التقدير أكثر وضوحًا وقابلية للقياس. وتُحتسب المبيعات على مستوى مجموعة كل طرف، أي الشركة الأم والشركات التابعة والشقيقة الخاضعة للسيطرة نفسها، لا المنشأة المتعاقدة وحدها. وفيما يلي العتبات الأساسية التي ينبغي قياس الصفقة عليها:
| العنصر | القاعدة |
|---|---|
| إجمالي المبيعات العالمية للأطراف | أن يتجاوز مجموعها 200 مليون ريال سنويًا |
| مبيعات الطرف المستهدف (في الاستحواذ) | أن تتجاوز 40 مليون ريال سنويًا عالميًا |
| مبيعات الأطراف داخل السعودية | أن يتجاوز مجموعها 40 مليون ريال سنويًا |
| في الاندماج والمشروع المشترك | أن يكون لطرفين على الأقل مبيعات عالمية تتجاوز 40 مليون ريال لكلٍّ منهما |
| موعد تقديم الإخطار | قبل 90 يومًا على الأقل من إتمام الصفقة |
| مدة مراجعة الهيئة | 90 يومًا، وقد تتوقف إذا طلبت الهيئة مستندات إضافية |
| صلاحية الموافقة | سنة ميلادية واحدة، مع إمكان طلب تمديدها |
تُقرأ هذه العتبات مجتمعة؛ فتجاوز عتبة دون أخرى لا يرتّب الخضوع بالضرورة. فلا يكفي مثلًا تجاوز حدّ المبيعات العالمية إذا لم تتجاوز مبيعات الأطراف داخل السعودية الحدّ المقرر. وهذا التصميم يستهدف استبعاد الصفقات التي لا أثر محليًا لها رغم ضخامتها العالمية.
كيف تُحتسب المبيعات بدقة؟
احتساب المبيعات ليس جمعًا بسيطًا لأرقام القوائم المالية. فهناك قواعد عملية ينبغي مراعاتها حتى لا يقع خطأ في التقدير:
- السنة المرجعية: المرجع المعتاد هو مبيعات السنة المالية السابقة المدققة.
- مستوى المجموعة: تُجمع مبيعات المجموعة كاملة لكل طرف، لا الكيان الموقّع فقط.
- استبعاد المبيعات البينية: تُستبعد المبيعات بين شركات المجموعة الواحدة لتفادي الاحتساب المزدوج.
- تحويل العملات: تُحوَّل المبيعات الأجنبية إلى الريال وفق سعر صرف مناسب للفترة المرجعية.
- الطرف المستهدف في الاستحواذ: يُنظر إلى مبيعات ما يُستحوذ عليه فعليًا، لا إلى مجموعة البائع كاملة.
وهذه التفصيلات تفسّر لماذا قد تختلف نتيجة التقدير باختلاف طريقة الاحتساب، ولماذا يُستحسن توثيق أساس الأرقام في مذكرة داخلية قبل اتخاذ قرار الإخطار من عدمه.
ماذا يتضمن ملف الإخطار؟
ملف الإخطار ليس نموذجًا يُملأ شكليًا، بل عرض متكامل يمكّن الهيئة من تقييم أثر الصفقة. ويشمل عادةً: بيانات الأطراف وهياكل ملكيتهم وسيطرتهم؛ وصف الصفقة وأهدافها والجدول الزمني؛ تحديد الأسواق المعنية بالمنتج والنطاق الجغرافي؛ تقدير حصص الأطراف ومنافسيهم فيها؛ المبرّرات الاقتصادية للصفقة وآثارها المتوقعة؛ والقوائم المالية الداعمة. وكلما كان الملف دقيقًا ومكتملًا من البداية، قلّ احتمال طلب الهيئة مستندات إضافية تطيل المدة.
تحديد الأسواق المعنية
جوهر تقييم أي تركّز هو تحديد الأسواق المعنية تحديدًا دقيقًا، لأنه يحكم قياس الحصص والأثر. وتُحدَّد سوق المنتج بالنظر إلى المنتجات أو الخدمات التي يراها العميل بدائل معقولة لبعضها، ويُحدَّد النطاق الجغرافي بالمنطقة التي تتماثل فيها ظروف المنافسة. فكلما ضاق تعريف السوق ارتفعت الحصص المحسوبة، والعكس صحيح. ولذلك يكون تعريف السوق أحيانًا محور الخلاف الأهم بين الأطراف والهيئة، إذ تترتب عليه نتيجة التقييم كلها. ويحسن بالأطراف أن يبنوا تصورهم عن الأسواق المعنية مبكرًا، مدعومًا ببيانات عن المبيعات والمنافسين، حتى لا يفاجأوا بتعريف أضيق يرفع حصصهم ويضاعف احتمال إثارة القلق.
الإخطار الإلزامي والتشاور المسبق
يميّز العمل بين مسارين: الإخطار الإلزامي الواجب متى استوفت الصفقة معايير الخضوع، والاستيضاح المسبق حين يكتنف الخضوع غموض. فإذا كانت الصفقة قريبة من العتبات أو كان تكييف السيطرة فيها محلّ شك، فقد يكون من الحكمة الاستيضاح قبل الإغلاق بدل المجازفة. والقاعدة العملية عند الشك: يُعامَل الأمر بحذر الخاضع لا بافتراض الإعفاء، لأن كلفة الإخطار الاحترازي أقل بكثير من كلفة مخالفة التريّث. كما ينبغي الانتباه إلى الصفقات المتتابعة أو المترابطة؛ فسلسلة من الاستحواذات الصغيرة في سوق واحدة قد تُقرأ مجتمعة إذا كانت أجزاء من خطة واحدة، فلا يصحّ تفتيت الصفقة لتفادي العتبات، إذ العبرة بجوهر العملية الاقتصادية لا بتقسيمها الشكلي.
ماذا يحدث بعد تقديم الإخطار؟
بعد تقديم الملف تتحقق الهيئة من اكتماله، ومن اكتماله تبدأ مدة المراجعة. وتقيّم الهيئة الصفقة على ضوء أثرها في الأسواق المعنية: الحصص وحواجز الدخول وقوة المنافسين، وأثر الصفقة المحتمل على الأسعار وجودة الخدمة وخيارات العملاء. وقد تكتفي بمراجعة أولية إذا بدت الصفقة غير مثيرة للقلق، أو تتعمّق في فحص أدقّ إذا ظهرت مؤشرات على إضعاف المنافسة. وتنتهي المراجعة بإحدى ثلاث: موافقة، أو موافقة مشروطة بالتزامات تعالج المخاوف، أو رفض. وصلاحية الموافقة سنة ميلادية، فإن لم تُغلق الصفقة خلالها لزم إخطار جديد ما لم تُمدَّد، ولذلك يُدار الجدول الزمني بحيث يقع الإغلاق داخل مدة الصلاحية.
ومن المسائل العملية التي تهمّ الأطراف سرية المعلومات المقدَّمة في الملف. فالملف يتضمن بيانات تجارية حسّاسة عن المبيعات والعملاء والخطط، ويُفترض أن تُعامَل بسرية في حدود ما يتطلبه التقييم. ومع ذلك يحسن بالأطراف تمييز ما هو بالغ الحساسية وطلب معاملته بحذر خاص، وتنظيم تبادل المعلومات بينهم أنفسهم أثناء إعداد الملف بما لا يخالف التزام التريّث.
وأخيرًا، يُستحسن توثيق قرار الخضوع من عدمه في مذكرة داخلية تبيّن أساس التقدير والأرقام المعتمدة وتعريف الأسواق المفترض. فهذه المذكرة تفرض انضباطًا في اتخاذ القرار، وتفيد الأطراف في الدفاع عن موقفهم إن سُئلوا لاحقًا عن سبب الإخطار أو تركه.
خطوات تقدير الخضوع للإخطار
- تكييف الصفقة: حدّد هل العملية اندماج أو استحواذ أو مشروع مشترك، وهل تنطوي على تغيّر دائم في السيطرة.
- تحليل السيطرة: افحص حقوق التصويت والنقض وصلاحيات تعيين الإدارة لتحديد من يسيطر بعد الصفقة.
- تجميع المبيعات: اجمع مبيعات كل طرف على مستوى مجموعته، عالميًا ومحليًا، للسنة المالية السابقة.
- قياس العتبات: قارن الأرقام بعتبتي 200 و40 مليون ريال، وتحقّق من استيفاء الشروط مجتمعة.
- فحص الارتباط بالسوق السعودي: تأكّد من وجود نشاط أو أثر للصفقة في المملكة يبرّر الاختصاص.
- إعداد الملف واحتساب التوقيت: جهّز المستندات وقدّم الإخطار قبل الإتمام بمدة تستوعب المراجعة واحتمال توقّفها.
أخطاء شائعة
- قياس المنشأة المتعاقدة وحدها: العتبات تُحتسب على مستوى المجموعة الكاملة لكل طرف.
- افتراض أن غياب النشاط المحلي يعفي من الإخطار: قد ينشأ الارتباط بالسوق السعودي من أثر غير مباشر.
- الخلط بين السيطرة والأغلبية: حقوق النقض أو تعيين الإدارة قد تنشئ سيطرة دون أغلبية الأسهم.
- إهمال استبعاد المبيعات البينية: يؤدي إلى احتساب مزدوج يضخّم الأرقام أو يشوّهها.
- تجاهل التوقيت: ترك الإخطار إلى ما قبل الإغلاق يصطدم بمهلة الـ90 يومًا ويعطّل الصفقة.
- إغفال المشروع المشترك: تأسيس كيان مشترك دائم قد يكون تركّزًا خاضعًا للإخطار كالاستحواذ.
ولفهم أثر التقدير الخاطئ وجزاءاته، راجع العقوبات في نظام المنافسة ودليل الاندماج والاستحواذ في السوق السعودي.
متى تحتاج إلى محامٍ؟
إذا كانت صفقتك تقترب من العتبات أو ينطوي هيكلها على تغيّر في السيطرة، فإن تقدير الخضوع وتوثيقه مبكرًا يحمي الجدول الزمني ويتجنّب المخالفة. تقدّم المنافسة ومكافحة الاحتكار خدمات مراجعة الصفقات أمام الهيئة العامة للمنافسة، من تقدير الخضوع للإخطار وإعداد الملف إلى متابعة المراجعة والتفاوض على الشروط. ولمناقشة صفقتك يمكنك حجز موعد استشارة.
هذا المقال للتوعية العامة ولا يُعد استشارة قانونية لحالتك.
أسئلة شائعة
هل كل اندماج أو استحواذ يتطلب إخطار الهيئة؟
لا. يُشترط أن تنطوي الصفقة على تغيّر دائم في السيطرة، وأن تتجاوز الأطراف عتبات المبيعات مجتمعة، وأن يكون للصفقة ارتباط بالسوق السعودي.
ما العتبة الأساسية لإجمالي مبيعات الأطراف؟
أن يتجاوز إجمالي المبيعات السنوية العالمية للأطراف 200 مليون ريال، مع عتبات فرعية تبلغ 40 مليون ريال للطرف المستهدف ولمبيعات الأطراف داخل السعودية.
متى يجب تقديم الإخطار؟
قبل 90 يومًا على الأقل من إتمام الصفقة، ولا يجوز الإغلاق قبل صدور الموافقة أو انقضاء مدة المراجعة.
كيف تُحتسب المبيعات؟
على مستوى مجموعة كل طرف للسنة المالية السابقة، مع استبعاد المبيعات البينية داخل المجموعة وتحويل العملات الأجنبية إلى الريال.
هل تخضع صفقات الأقلية للإخطار؟
قد تخضع إذا منحت المشتري سيطرة فعلية عبر حقوق نقض أو تعيين إدارة، لأن العبرة بتغيّر السيطرة لا بنسبة التملّك وحدها.
ماذا يتضمن ملف الإخطار؟
بيانات الأطراف وهياكل الملكية، ووصف الصفقة، وتحديد الأسواق المعنية والحصص، والمبرّرات الاقتصادية، والقوائم المالية الداعمة.